أحمد الفاروقي السرهندي
418
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
السّير وقيّد فائدة التّلاوة بها لا غير سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ « 1 » وقال الشّيخ قدّس سرّه بعد ذلك : إنّه قد نقل عن جعفر الصّادق رضي اللّه عنه وعن آبائه الكرام أيضا أنّه خرّ مغشيّا عليه وهو في الصّلاة فسئل عن ذلك فقال : ما زلت أردّد الآية حتّى سمعتها من المتكلّم بها فالصّوفيّ لمّا لاح له نور ناصية التّوحيد والقى سمعه عند سماع الوعد والوعيد وقلبه بالتّخلّص عمّا سوى اللّه تعالى صار بين يدي اللّه تعالى حاضرا شهيدا يرى لسانه أو لسان غيره في التّلاوة كشجرة موسى عليه السّلام حيث أسمعه اللّه تعالى منها خطابه إيّاه بأنّي أنا اللّه فإذا كان سماعه من اللّه واستماعه إلى اللّه صار سمعه بصره وبصره سمعه وعلمه علمه وعمله علمه وعاد آخره أوّله وأوّله آخره إلى أن قال : فإذا تحقّق الصّوفيّ بهذا الوصف صار وقته سرمدا وشهوده مؤيّدا وسماعه متواليا متجدّدا قوله : فالصّوفيّ لمّا لاح له نور ناصية التّوحيد بيان لقول الإمام رضي اللّه عنه وشرح لسماعه من المتكلّم بأنّ الصّوفيّ لمّا غلب عليه حال التّوحيد وزال عن نظره شهود الغير صار بين يدي اللّه حاضرا شهيدا يجد كلّ ما سمع كلاما من نفسه أو من غيره أنّه سمعه من اللّه سبحانه ويرى لسانه ولسان غيره كشجرة موسى عليه السّلام فالإمام كلّ ما كرّر الآية سمعها من نفسه ومن لسانه إلى أن لاح له في أثناء التّكرار حال التّوحيد فسمعها من المتكلّم بها وإن كان صدر منه ومن لسانه فإنّه وجد لسانه ح كالشّجرة الموسويّة فالكلام الظّاهر من اللّسان كالكلام الظّاهر من تلك الشّجرة في أنّه كلام اللّه سبحانه أقول وباللّه سبحانه العصمة والتّوفيق : إنّ المسموع من الشّجرة الموسويّة كان كلام اللّه سبحانه لا محالة حتّى لو أنكره أحد كان كافرا والمسموع من الألسنة ليس في الحقيقة كلام اللّه وإنّ تخيّل الصّوفيّ في غلبة التّوحيد أنّه كلام اللّه حتّى لو أنكره أحد لا يكون كافرا بل يكون محقّا صادقا لانّه حصل من حركة اللّسان واعتماد المخارج ولا كذلك في الشّجرة فأين أحد الكلامين من الآخر فإنّ الاوّل تحقيقيّ والآخر تخييليّ والعجب من الشّيخ الاجلّ قدّس سرّه أنّه بالغ ههنا في التّوحيد حتّى جعل التّخييليّ تحقيقيّا وجعل الكلام الصّادر من العبد في غلبة الحال صادرا من الحقّ سبحانه وقد أنكر في موضع آخر من كتابه الأقوال الصّادرة في التّوحيد من أربابه في غلبة الحال وحملها على الحكاية من اللّه سبحانه فرارا من شائبة توحيد الحلول والاتّحاد وما فرّ هنا من شوب الحلول بل حكم بالاتّحاد والعينيّة والحقّ في هذا المقام أنّ الحكم بالاتّحاد والعينيّة في غلبة الحال تخييليّ لا تحقيقيّ سواء كان الاتّحاد في الذّات أو في الصّفات أو في الافعال فسبحان من لا يتغيّر بذاته ولا بصفاته ولا في أسمائه بحدوث الأكوان ولا يتحدّ معه أحد ولا يتّحدّ صفات أحد مع صفاته تعالى ولا أفعال أحد مع أفعاله سبحانه فهو سبحانه هو هو والممكن ممكن حادث في الذّات وفي الصّفات والافعال الحكم بالاتّحاد بين القديم والحادث من تلوينات العشق وغلبات المحبّة والسّكر فلا يؤاخذ عليهم بشائبة الحلول ومظنّة الاتّحاد المستلزمة للكفر والالحاد فإنّها غير مرادة لهم حاشا للّه
--> ( 1 ) - الآية : 32 من سورة البقرة .